نشر المقال في 12 أغسطس 2012
الىى سارة فاطمة الزهراء ، وسيم و كل من طلب مني الجزء الثاني من الشهادة . أنا \أعيد نشرها .لقد كتبتها و نشرتها لأني رأيت من الواجب أن يدرك الواحد منا المعاناة الصامتة لضحايا المجازر و الإغتيالات الدين لايزالوا أحياء و لاتزال الدكريات الليمة تمزقهم ...حياتي تغيرت و اختفت أشياء جميلة لم أعد أعرف للخوف معنى أما عن سليم ...لا املك بعد الشجاعة لأكتب عن الظلم عن اغتيال المشاعر و الأحلام لكن ساكتب يوما ما اكيد
إهداء إلى سليم...الرجل الذكرى الذي لا يزال يسكنني و يأبى أن يفارقني ...إلى كل الذين يسكنون المقابر في هذا البلد بعد ان وهبوا حياتهم ثمنا للأمن ...إلى ضحايا مجازر بن طلحة ، الرايس ، سيدي يوسف ، صوحان ، الرمكة ، بوعرفة و....
صعب علي في هذه الأيام ..في هذه اللحظات أن أوقظ آلامي ، أحزاني ، ذكرياتي و جراحي الهامدة الصامدة الخرساء في مساكن روحي و أعماقي ,...مرت 11 سنة كأنها ساعات ، 11 دقيقة بل 11 ثان
ية ,...إنهم هنا "جاو" أمام بيتي يتسلقون الباب الحديدي ...صوت الرصاص يدوي المكان ...أسمع الصراخ و العويل و نداءات النجد..يما ،ربي، بابا ...اهربوا راهم لحقوا ..."هم" هم الإرهابيون الذين اخترقوا يوما الحي الذي كنت أقيم فيه و قتلوا و أحرقوا و اغتصبوا و نهبوا ...تعود بي الذكريات الرهيبة إلى ذلك اليوم ...لا..لا هي لم تفارقني يوما لتؤكد لي بعد كل هذه السنوات و تقنعني أن الحقيقة ...حقيقة ما حدث لا يملكها أحد حتى هؤلاء الأموات...الضحايا الذين يرقدون في مقبرة سيدي رزين لأنهم اغتيلوا و ذبحوا دون أن يدركوا السبب و الدافع لوحشية لامثيل لها لكنهم يظلون شهودا إلى الأبد و أنا كذلك كنت شاهدة على الدم ..شاهدة على الموت...
الساعة 23 ليلا : كان يوم إثنين ...كنت مستلقية على سريري رفقة صديق عمري و أنيسي قطي "باشو" الذي كان يداعب إحدى صفحات رواية إحسان عبد القدوس التي كنت أقرأها تلك الليلة..كم هي عنيدة البطلة ،أحيانا أرى فيها نفسي حتى أني أريد أن أتقمص شخصيتها و ألعب دورها .لست أدري لماذا تأخرت هذه الليلة في النوم ، لازلت في أنا في السنة الأخيرة من الجامعة طفلة أطيع أوامر والدتي بالخلود إلى النوم باكرا . ربما هو التوتر من موعد الغذ : لدي لقاء مع مدير وكالة إشهار و إتصال للعمل كمسؤولة الإعلام ..أنا لم اختر الصحافة بعد أن نجحت في اجتياز شهادة البكالوريا تخصص علوم طبيعية بتقدير حسن و سجلت في معهد الصيدلة ..أمي كانت تحلم أن أصبح طبيبة بمئزر أبيض و أنا لم اتخيل نفسي أبدا إلا قاضية أحداث ...الطفولة الصعبة التي عشتها بعد انفصال والدي جعلتني أبحث عن مهنة لإنصاف أطفال الطلاق ،،،هكذا كنت أفكر قبل أن ينتهي بي المطاف الى معهد علوم الإتصال ،كنت أحب الكتابة و التعبير الكتابي في المدرسة لكن لم أتخيل نفسي أبدا صحفية و إن كنت ثرثارة ,
في تلك الأثناء ، تفتح والدتي بهدوء باب الغرفة بعد أن تسلل الضوء الى الرواق .تطلب مني خفض صوت الموسيقى ,,,كنت أسمع مقطعا من الموسيقى الكلاسيكية لـ"ريشلرد كليدارمان"تسحبني بعيدا بعيدا ..."باشو" كعادته مشاغب ينط و يقفز و يتسلل تحت بطانيتي ..قط حيوي جدا لكن والدتي أثارت استغرابي ...كانت متوترة تلك الليلة و طلبت مني التزام الهدوء حتى يتسنى لها سماع الحركة خارجا ...هي تعاني من التوتر الشديد و القلق و الخوف منذ وقوع مجزرة الرايس بسيدي موسى في شهر أوت من نفس العام .و تردد يومها انه تم العثور على رسالة مكتوبة داخل جثة إمرأة تضمنت تهديدا بارتكاب مجزرة ببن طلحة .قلت لها غنها مجرد إشاعات لكن ماما لم تقتنع و لامتني على برودة أعصابي و "قلبي" كما كانت تقول ,صحيح لم اشعر يوما بالخوف رغم سلسلة الإغتيالات التي كانت تقه في الحي . كنت ألتحق بالجامعة على بعد 20 كم و أخرج في الظلام يوميا على الساعة الخامسة صباحا و أتنقل سيرا على الأقدام على بعد حوالي 5 كم الى غاية محطة الحافلات ...كنت ألتقي ارهابيين بالزي الأفغاني و مسلحين سيرا على الأقدام أو على متن سياراتهم ...كان لدينا "أمير" اسمه أحمد بوشاقور ابن المنطقة ، قيادي في "الجيا" يتنقل على متن سيارة رونو 4 بيضاء ...لم أكن أعرف رفقاءه و لا شكله هو جيدا لكني أعرف ماضيه و هو ابن خادمة بمدرسة ابتدائية ، عاش الحرمان و الإقصاء و فشل في دراسته و بعدها في الحصول على عمل ، و لم أعرف عنه تدينه أو التزامه ، و طالما سرت قرب جثث و رؤوس مقطوعة موضوعة على صحون "البارابول" و أسمع لاحقا روايات لتبرير الجريمة لكني لم أكن أهتم بكل هذه الوقائع و لم أكن أخاف ..كنت عنيدة و مطمئنة بشكل غريب .ولم أكذب على زملائي في الجامعة يوما وأخبرتهم أني أقيم في هذا الحي منذ نجاحي في شهادة البكالوريا .
أضع"باشو" على وسادتي ، أداعبه فأسمع غرغرته ، كان قطا جميلا وفيا و صادقا ينتظرني دائما أمام باب المنزل ...آه ليت الرجال في مثل وفاء و حنان القطط .
أشعر بالنعاس و يحملني عطر بطلة إحسان عبد القدوس بعيدا و أجد نفسي فيما يشبه الحلم ,أراقص شخصا وسيما و لبقا ..."أي" القط يخدشني بأظافره : ممم لعين أنت يا باشو .غذا لن أسمح لك بالنوم على سريري .
أعود للتفكير في ملابسي التي أرتديها خلال المقابلة .القميص الأخضر مع السروال الزبدي ؟ لا لا ، لا أراه جميلا و سأبدو فيه كمراهقة ، أفضل بدلة كلاسيكية حتى أبدو جادة و عملية ...
تفتح والدتي باب الغرفة بعنف ، كاد النوم يسرقني لكنها تطلب مني النهوض بسرعة بعد أن سمعت عواء ذئاب .فتحت زجاج نافذة غرفتي التي تطل على الحديقة : اسمعي . فعلا كان عواء ذئاب ..قوي و غير عادي كأنه عواء بشر يقترب شيئا فشيئا...
يستمر العواء و يقترب ...تسارعت نبضات قلبي و أقترب من ماما التي تحضنني بقوة قبل ان تهمس لي: تذكرين أن الناجين من مجزرة الرايس أخبرونا انهم سمعوا عواء و كان "كود" الإرهابيين...ماما تشد على يدي بقوة كلما اقترب العواء ...كان تقليدا نعم والله ...و فجأة نسمع دوي انفجار قوي : ماهذا يا الهي؟ يركض شباب باتجاه منازلهم : إنها قنبلة تم وضعها في شاحنة بالمخرج الغابي لحي بودومي ...أنا اقين على بعد أمتار فقط ...الإنفجار كان قويا هز أرجاء البيت و تساقطت الأواني و اللوحات على الجدران .
أسمع صوت أول رصاصة متبوعة بصراخ و عويل ...الشباب الذي كانوا في الخارج كانوا يركضون في كل الإتجاهات ، سمعتهم يصرخون: "راهم جاوووووووو".في تلك اللحظات فقدت القدرة على التفكير او التركيز .تتالت الطلقات ، تجرني والدتي كدمية نحو الطابق الأول ,طلبت منها أن نخرج الى الشارع أن نهرب نعم نهرب لكن ذلك لم يكن ممكنا فات الآوان نحن محاصرون
أغلب الجيران تمكنوا من الفرار نحو الحمام الواقع في المدخل الرئيسي للمنطقة على بعد امتار من ثكنة عسكرية بعد ان حول العسكر فيلا مهجورة الى مركز لهم .
كنت أحاول أن اقنع نفسي للحظات ان الأمر يتعلق باغتيالات عادية كالتي كما نعيشها من قبل كما ان منزلي
يقع في رواق و يصعب على الإرهابيين الفرار بعد جريمتهم ...شعرت بالخوف لأول مرة في حياتي ...خاصة عندما تعالت أجراس النجدة و امتزجت مع الصراخ و العويل و طلبات النجدة.
ينقطع التيار الكهربائي فجأة ...الظلام يحتوي كل المكان .الرصاص لا يتوقف و التفجيرات أيضا و الصراخ ,,أه الصراخ الشديد و بكاء في كل مكان .تسمرت في مكاني ...شعرت بالبرد الشديد لم يقاومه حضن والدتي التي التصقت بها كطفل صغير ..قلبي يخفق بشدة و جفت شفتاي ..في لحظة عجزت عن تحريكهما أو بلع ريقي ..لم أكن اعلم ماذا سيحل بنا و ما هو مصيرنا على بعد خطوات من الموت و أي موت ...قتل بالرصاص أو ذبح أو ضربة بساطور ...كنت أجهل ماذا يحدث في الخارج و لم أكن أملك إلا حقيقة واحدة ، أن هناك تقتيل جماعي بالجملة خاصة على مستوى حي "الجيلالي" الذي لا يبعد كثيرا عن الحي الذي أقيم فيه...كانت هناك إبادة و حرق و تخريب ...رائحة الدخان كانت قوية و تسللت إلى منزلنا ...كانت هناك رائحة الدم أيضا ...تذكرت قطي ، لم أره ...أين هو؟ هل فزع من الأصوات و الصراخ ،اعرفه يخشي صوت المفرقعات و التفجيرات و الرصاص و طالما كان يختبئ لأيام داخل خزانة الملابس عند وقوع عمليات التمشيط للمناطق المجاورة لنا و كانت تعتبر ضمن أهم معاقل الإرهاب في منطقة المتيجة."باشو" أسأل عنه قتنهرني والدتي .آه كان يجب عليه أن يلازمني حتى نموت معا...الموت؟لأول مرة أواجهه و أخشاه و أدرك مرارته .كم تبدو الحياة غالية و نتشبت بها حين نكون في مواجهة الموت.
يقترب صوت الرصاص و يرتفع معه الصراخ .يمر الوقت و تتراجع فرص الفرار ..كنا محاصرين .توقفت عن التفكير و الكلام .لم تعد هناك أهمية للسؤال
لكن انتابني إحساس غريب ..شوق لوالدي .لم أحن إليه يوما بلى كنت أشتاق إليه كثيرا لكني عنيدة ، تمنيت لو كان اللحظة معي ...لا ..لا أريد أن أموت قبل أن أعانقه هو لم يظلمني يوما بالعكس عاني كثيرا من اجل رؤيتي ..أبكي بحرقة ..تضمني والدتي و تطلب مني بصوت خافت أن أتلو آية الكرسي و أتحلى بالصبر و الشجاعة "ربي معانا ، لا تقلقي و لا تخافي" لكني تجرأت على سؤالها " يقدرو يلحقو لينا؟ وين راهم العسكر ؟ " ...تضع يدها على فمي لكنها لا تجيب ..صمت ماما يقتلني ...
تنفجر قنابل أخرى ..تدوي المكان و يرتفع الصراخ و البكاء ..عويل رهيب ..رهيب ...بعد كل هذه السنين ، لم أتمكن من نسيان هذه الأصوات منها صراخ رجل قوي كان يصرخ "آآآآآآآآآآآآآه" ،علمت لاحقا انه اغتيل ذبحا ...
يعود التيار الكهربائي تدريجيا ، لكنه كان ضعيفا جدا ، يتراجع صوت الرصاص ,,,أوف ، هل رحلوا؟ هل انتهي الكابوس أخيرا ..يارب .تمر ثوان فقط و يعود الرصاص من جديد .أخيرا هناك تبادل إطلاق النار في حي "بودومي" .. هناك اشتباك ، أخيرا إذن حضر العسكر ؟..أحاول أن أتشبت بأي أمل لأقاوم و لا أنهار.
يخرج جارنا الذي يقيم بجوار بيتنا ..عجوز متقاعد لم يتمكن مثلنا من الفرار هو وزوجته العجوز و حفيدتيه ..سمعته من بعيد يصرخ "وين راكم يا العسكر ؟" و كان يشتم الإرهابيين و يلعن المجرمين و السفاحين بصوت عالي و علنيا في ساحة المنزل ...وصفهم بالكلاب و الخبثاء الذين لا يخشون الله و لا علاقة لهم بالدين و الإسلام ...بعد دقائق سمعته يصرخ بأعلى صوته ...لقد اغتالوه ..يا الهي وصلوا الى الحومة ...إنهم هنا ..أسمع صوت العجوز تصرخ "يا جيراني لحقوني ..راهم قتلوه ..يا جيراني وين راكم؟" يخفت صوتها تدريجيا ..أسمع طلقة رصاصة ثم صراخ حفيدتها ...علمت لاحقا أن العجوز تعرض لضربة ساطور على مستوى الرأس و زوجته أصيبت على مستوى البطن و الصدر لكن الله رفق بهما و لايزالان على قيد الحياة ,,الشيخ مقعد و لا يتكلم اما الحفيدة فتم اختطافها و عثر عليها ساعات بعد ذلك مذبوحة وسط الأحراش...
وصلوا أخيرا إلى منزلنا ، إنهم هنا ، نتجمع في غرفة واحدة ، نلتزم الصمت وحتى الصغار أدركوا ذلك و توقفوا عن البكاء حتى لا يرصدوا مكاننا .كنا في الطابق العلوي .خرج قريبي إلى شرفة الغرفة المجاورة لطلب النجدة من أفراد الدفاع الذاتي و الباتريوت . لا أحد منهم كان موجودا في تلك الساعة .لقد فربوا جميعا قبل السكان أنفسهم ..جبناء و استفزتني تصريحاتهم في القنوات التلفزيونية ووسائل الإعلام الأجنبية عندما صوروا أنفسهم كأبطال بل و تنقل بعضهم الى الخارج ليروي تفاصيل مجزرة لم يكن شاهدا عليها و كان يجب أن يدخل السجن و يعاقب على فراره و جبنه ...
سمعت صوت رصاص و صراخ من داخل بيتنا ...الإرهابيون تمكنوا من رصد مكان قريبي و رموه برصاصة أصابته على مستوى الرأس .سارعت والدتي باتجاهي و طلبت مني أن أظل منبطحة على الأرض و التحقت هي بالغرفة المجاورة حيث تم جر الجريح و رأيتها تضع البن "القهوة" على رأسه لوقف النزيف...سمعت والدتي تتلو القرآن الكريم في كل خطواتها ،كانت صامدة صبورة
يختفي صوت الرصاص ، يخيم سكون رهيب و لا حراك ...يتحرك جيراننا من شباب الحومة الذين يقيمون بجوارنا ، كانوا يحاولون استطلاع الوضع قبل أن يصرخ أحدهم " بالاكو"( حذاري ) إنهم هنا : لقد وصلوا فعلا و كانوا متخفين وسط الاغصان التي تغطي المدخل الرئيسي لمنزلنا ...زحفوا قليلا و أطلقوا بعدها وابلا من الرصاص في كل الإتجاهات ...و حاولوا كسر الباب الحديدي و أخرون تسلق الجدار لكنهم اصطدموا بكلابنا الشرسة القوية .. "يا ربكم عندهم كلاب" قال ارهابي لرفيقه ...بدأنا بالصراخ كلنا كنا نصرخ بقوة ، صرخت حتى أدمت حنجرتي و خرج الدم من فمي ، لكني لم أكن أسمع صوتي ..لكن كلابنا تراجعت ، علمت لاحقا أن الإرهابيين يضعون مادة تنفر الكلاب رغم ان كلابنا كانت مدربة جدا .سمعنا اشتباكا قريبا ، نعم شباب عائلة بودومي منعوا البقية من الوصول الى حينا نحن ...عائلة مقاومة و "حرة" فقدت أحد شبابها في هذه المجزرة بعد ان قاوم الى آخر لحظة ...
تبدأ المواجهة المفتوحة مع الموت ...حاولنا منعهم من الوصول الينا الى الداخل ...الرجال كانوا يقذفونهم لزجاجات مولوتوف أعدوها في وقت سابق بطرق تقليدية و كإجراء وقائي ...الإرهابيون لم يكونوا يملكون ذخيرة كافية و إلا لما توقفوا عن إطلاق النار ...استمرت المواجهة وقتا طويلا بدا لي إنه لن ينتهي ...والدتي أيضا كانت ترمي الزجاجات و رأيتها تضرم النار في البطانيات و تلقي بها من النافذة حتى تمنع الإرهابيين من الصعود ...اقتربت منها و حاولت مساعدتها بعد أن أصيبت إحدى قريباتي بحروق...ليتني لم اقترب من النافذة ، رأيت أشبحا سوداء تتحرك ..دخلت بسرعة كنت خائفة جدا جدا و شعرت ان قلبي سيخرج من أضلعي .
لا أثر للإرهابيين ، ربما تراجعوا و انسحبوا و غادروا ، يا رب ...لا ، إنهم هنا ن يصرخ جارنا الذي كان يتفقد الوضع من سطح منزله : راهم هنا مازال ...بالاكو
ألن ينتهي الكابوس؟ فجأة يتجه إلينا قريبي صارخا :"راهم طلعو ...وصلوا للدار..لحقو للباب" ...حضنتي والدتي بقوة و قالت ليك اسمعي لا تتركيهم يأخذوك ، موتي و لا تذهبي معهم ...شهدي ...شهدي .
بدأنا بالصراخ و هم يحاولون كسر الباب الخشبي ...كانت النهاية ...نهاية البداية أم بداية النهاية ...كنا نصرخ صغيرا و كبيرا: الله أكبر ...الله على الظالم ...الله على الظالم .و كانت والدتي تزغرد و تزغرد وسط تكبيرات الرجال و الصغار و النساء من أهل البيت .و فسرت لي فيما بعد أنها تعمدت ذلك لإرباك الإرهابيين .
استمر الاشتباك ، لا أذكر جيدا ماذا حدث بعدها ..شعرت أن الوقت لا يمر و أن الزمن توقف يومها ...واصلت الصراخ .. كسرت زجاج باب الصالون و أنا أبكي ...تملكتني قوة رهيبة و مفاجئة و لم أشعر بالدم الذي كان ينزف مني ..كنت قد أصبت و لم أشعر بأي ألم بل طمأنينة كأني أريد النهاية و كفى .
السكون يخيم مجددا على المكان ..كان كل شئ متوقعا ..توقفنا عن الصراخ و فقدنا القدرة على المقاومة و استسلمنا ...سقطت أرضا و كنت أنزف بشدة ..لاحظت والدتي ذلك و احتضنتني ، شعرت بدموعها الساخنة على جسمي ..كانت تبكي لكن في صمت ...فقدت الوعي للحظات و تراءي لي شريط حياتي : ماضي ، أخطائي و أحلامي ، اشتقت الى أبي ...شعرت براحة غريبة .
استعدت وعيي للحظات وسمعت صوت جارنا يصرخ ك راحو خلاص والله غير راحو ...هل رحلوا هذه المرة فعلا ..نعم لا رصاص ..لا صراخ ..انتهى كل شىء .مسكتني والدتي : خلاص سلكنا ...الحمد لله ..خارت قواي و انفجرت باكية .لقد غادر الإرهابيون المكان قبل حلول الفجر ...كانت معجزة أن نظل أحياء و قدر الله لنا حياة جديدة ...
تحضر سيارات الإسعاف و نجح جيراننا في الخروج لكن أعوان الحماية المدنية رفضوا إجلاءنا لأن الطريق ملغم حسبهم و طلبوا من السكان نقل الجرحى و الجثث ...و أخيرا خرجت ..نعم نحن أحياء بعد ساعات من صراع مع الموت ...تنقلت الى الطريق الرئيسي سيرا على الأقدام ...كنت أمشي بدون وعي ،و فجأة سقطت أرضا بعد أن فقدت توازني و اكتشفت أني سقطت في بركة..دم شرطي ...كان الوحيد الذي تدخل يومها بعد أن سمع صراخ أطفال ..هكذا روى لي زميله الذي رافقه تلك الليله...هو بطل بامتياز ، كان ينتمي الى الفرقة المتنقلة للشرطة القضائية بالكالتوس ..اسمه نور الدين الروجي ...حاول بمفرده منع زحف ارهابيين الى فيلا تجمع فيها نساء و أطفال قبل أن تصيبع رصاصة قاتلة ...توفي في عين المكان و رحل في صمت رهيب ...لم أقوى على السير بعدها و شعرت بشلل ..اقترب مني أعوان الحماية المدنية لنقلي لكن دفعتهم بعنف و صرخت لكن لا صوت خرج ...اقترب منا ضابط شرطة برتبة محافظ بزيه الرسمي و خاطبنا " كنا نعلم أن الإرهابيين كانوا هنا منذ أسبوع و قمتم بإيوائهم ..." لم أتركه يواصل كلامه غير المسؤول و المستفز و صرخت مجددا "كنتم تعلمون؟ و تركتمونا نموت ...حسبنا الله و نعم الوكيل" ...تدخل ضابط في الجيش و نهره بالقول "ماشي هضرة " و طلب لي الإسعاف ..في الطريق مررت بالمدرسة الابتدائية .الساحة كانت مقبرة مفتوحة ..هناك تم نقل جثث حوالي 80 طفلا و رضيعا اغتيلوا ذبحا و بالساطور و حرقا ...أعرف بعضهم ..أمين ، أسامة ، محمد طالما اشتروا لي أغراضا مقابل دنانير لشراء شوكولاطة أو مثلجات...ملائكة الرحمن فعلا .. لا أريد أن أتصور عذاب هؤلاء الصغار و هم يغتالون ببشاعة .غادرت المنطقة و التحقت بالجامعة بعد 3 أشهر من العلاج ..كنت لا أزال أحتفظ بالجبس و أسير بصعوبة ..لا أحد من زملائي كان على علم بأني عشت تفاصيل تلك الليلة المرعبة حتى المقربين مني أخبرتهم أني تعرضت لحادث مرور باستثناء صديقي و أستاذي المرحوم زايدي سقية و لأنه أيضا كان يقيم في منطقة قريبة. آلمني لاحقا ما كنت أقرأه في الصحف الوطنية و الدولية و القنوات الأجنبية التي كانت تنقل شهادات أشخاص قاموا بالهروب و بعدها تحولوا الى شهود و أبطال ، حتى أنهم حملوا راية الدفاع عن الوطن و الجيش في مواجهة الحملة القذرة ضد الجزائر و أطروحة "من يقتل من قي الجزائر؟.. نصر الله يوس صاحب كتاب" من قتل في بن طلحة؟" لم يقل الحقيقة لكن هؤلاء أيضا .كنت أتابع الروايات بمرارة و ألم و أنا أرى أشخاصا يستثمرون في بشاعة مجزرة و يبحثون عن الشهرة ...التزمت الصمت قبل أن يشجعني يوما احميدة العياشي الروائي المتميز حينما كان مدير تحرير جريدة "اليوم" ...شجعني على الكتابة هو و الزميلة الرائعة ربيعة آل التي حرضتني على إخراج وحوش الذكريات الجاثمة على صدري ... أعترف أني بعد كل هذه السنوات لا أقوى على النسيان ...لا أستطيع ...أشعر بالضعف و لا أتمالك دموعي عند سماع الرصاص و الإنفجارات ...فقدت نهائيا الإحساس بالخوف ...و إلى غاية اليوم يعلم الكثير من أصدقائي أني لا أستطيع النوم في غرفة مظلمة قبل منتصف الليل ...في عيد الأضحى لا نطهو "البوزلوف" لأنه يذكرنا برائحة الدخان تلك الليلة و لا أحضر أبدا عملية النحر ...و عندما أتنقل الى المنطقة أفقد التوازن على السير و أشعر بقشعريرة و رغبة شديدة في الصراخ و البكاء ....أريد أن أنسى أن سبتمبر كان شهر الموت ...شكرا لكل من قرأ شهادتي ...
أخبار أخــرى